أحمد بن علي القلقشندي

323

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

والوسط وسط والرديء رديء وإن لم يكن مسبوقا إليهما . على أن بعض علماء الأدب قد ذهب إلى أنه ليس لأحد من المتأخرين معنى مبتدع ، محتجّا لذلك بأن قول الشعر قديم مذ نطق باللغة العربية ، وأنه لم يبق معنى من المعاني إلا وقد طرق مرارا . قال في « المثل السائر » : والصحيح أن باب الابتداع مفتوح إلى يوم القيامة ، ومن الذي يحجر على الخواطر وهي قاذفة بما لا نهاية له ؟ إلا أنّ من المعاني ما يتساوى فيه الشعراء ولا يطلق عليه اسم الابتداع لأوّل قبل آخر لأن الخواطر تأتي به من غير حاجة إلى اتباع الآخر الأوّل ، كقولهم في الغزل : عفت الديار وما عفت آثارهنّ من القلوب وقولهم في المديح : إن عطاءه كالبحر أو كالسّحاب ، وإنه لا يمنع عطاء اليوم عطاء غد ، وإنه يجود بماله من غير مسألة ؛ وأشباه ذلك . وقولهم في المراثي : إن هذا الرزء أوّل حادث ، وإنه استوى فيه الأباعد والأقارب ، وإن الذاهب لم يكن واحدا وإنما كان قبيلة ، وإنّ بعد هذا الذاهب لا يعدّ للمنيّة ذنب ، وما أشبه ذلك . وكذلك سائر المعاني الظاهرة التي تتوارد عليها الخواطر من غير كلفة ، ويستوي في إيرادها كلّ بارع . قال : ومثل ذلك لا يطلق على الآخر فيه اسم السرقة من الأوّل ، وإنما يطلق اسم السرقة في معنى مخصوص كقول أبي تمّام : لا تنكروا ضربي له من دونه مثلا شرودا في النّدى والباس فاللَّه قد ضرب الأقلّ لنوره مثلا من المشكاة والنّبراس فإن هذا معنى ابتداعه مخصوص بأبي تمّام ، وذلك أنه لما أنشد أحمد بن المعتصم قصيدته السنيية التي مطلعها : ما في وقوفك ساعة من باس انتهى إلى قوله منها :